القرطبي

84

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما . قال : ( فما يمنعكما أن ترجموهما ) ، قالا : ذهب سلطاننا فكرهنا القتل ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود ، فجاءوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما . وقال قوم : إنما كان الشهود في الزنا أربعة ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق ، إذ هو حق يؤخذ من كل واحد منهما ، وهذا ضعيف ، فإن اليمين تدخل في الأموال واللوث ( 1 ) في القسامة ولا مدخل لواحد منهما هنا . السادسة - ولا بد أن يكون الشهود ذكورا ، لقوله : ( منكم ) ولا خلاف فيه بين الأمة . وأن يكونوا عدولا ، لان الله تعالى شرط العدالة في البيوع والرجعة وهذا أعظم ، وهو بذلك أولى . وهذا من حمل المطلق على المقيد بالدليل ، على ما هو مذكور في أصول الفقه . ولا يكونون ذمة ( 2 ) ، وإن كان الحكم على ذمية ، وسيأتي ذلك في ( المائدة ( 3 ) ) وتعلق أبو حنيفة بقوله : ( أربعة منكم ) في أن الزوج إذا كان أحد الشهود في القذف لم يلاعن . وسيأتي بيانه في ( النور ( 4 ) ) إن شاء الله تعالى . السابعة - قوله تعالى : ( فان شهدوا فأمسكوهن في البيوت ) هذه أول عقوبات ( 5 ) الزناة ، وكان هذا في ابتداء الاسلام ، قاله عبادة بن الصامت والحسن ومجاهد حتى نسخ بالأذى الذي بعده ، ثم نسخ ذلك بأية ( النور ) وبالرجم في الثيب . وقالت فرقة : بل كان الايذاء هو الأول ثم نسخ بالامساك ، ولكن التلاوة أخرت وقدمت ، ذكره ابن فورك ، وهذا الامساك والحبس في البيوت كان في صدر الاسلام قبل أن يكثر الجناة ، فلما كثروا وخشي قوتهم اتخذلهم سجن ، قاله ابن العربي .

--> ( 1 ) اللوث : هو أن يشهد شاهد واحد على اقرار المقتول قبل أن يموت : أن فلانا قتلني ، أو يشهد شاهدان على عداوة بينهما أو تهديد منه له ، أو نحو ذلك . ( النهاية ) . ( 2 ) في ج : ولا يكون ذمية ، وفى ط وى وز : ذمة . والمراد المعاهدون . وفي البحر : ولا يكونوا . ( 3 ) راجع ج 6 ص 349 فما بعد . ( 4 ) راجع ج 12 ص 182 فما بعد . ( 5 ) كذا في ابن عطية ، والعبارة له . وفي الأصول : عزمات .